رواية امراة العقاب الفصل 33 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امراة العقاب الفصل 33  بقلم ندى محمود توفيق 


رواية كيان الفهد الفصل 33 هى رواية الكترونية من تأليف ندى محمود توفيق  واليوم سنعرض لكم الفصل او البارت 33  من رواية كيان الفهد



رواية امراة العقاب الفصل 33  بقلم ندى محمود توفيق





رواية كيان الفهد الفصل 33




صك سمعه صوت ابنته وندائها المتذمر عليه فأغمض عيناه وتوقف عن ما كان ينوي فعله .. بينما جلنار فمالت برأسها للوراء وحدجته بسكون تتابع تعبيرات وجهه .. مغمضًا العينان ويعض على شفاه السفلية بغيظ مكتوم فلم تتمكن من منع ابتسامتها المتسلية به لتقول ضاحكة حتى تثير أعصابه أكثر :
_ كلم يابابي !
فتح عيناه وترك ذراعها ليبتعد عنها ويقول مستاءًا في نفاذ صبر :
_ وبعدين في البنت دي
جلنار في ابتسامة ماكرة وهي تسير باتجاه الباب :
_ حبيبة مامتها عارفة إن بابا ملوش آمان عشان كدا بتيجي دايمًا في الوقت المناسب
مسح على وجهه كاظمًا غيظه بصعوبة يجيب عليها:
_ أنا مليش آمان !
كانت قد وصلت للباب ولم ترد عليه بل فتحت الباب لصغيرتها وانحنت عليها تحملها تهتف في حنو :
_ صباح الخير
هنا زامة شفتيها للأمام بعبوس :
_ أنا صحيت بدري أوي وإنتوا كنتوا نايمين .. وفضلت وحدي

جلنار بدهشة متصنعة :
_ بجد صحيتي من إمتى ؟
رفعت كفيها الاثنين وأخذت تعد على أصابعها حتى انتهت من العشرة ورفعت كفيها الصغيرتين للأعلى تفتحهم كلهم .. فقالت جلنار باستغراب وبعض المرح :
_ عشر دقايق !
هزت رأسها بالنفي فعادت تخمن ضاحكة :
_ امال كام ، عشر ساعات ؟!!
أماءت الصغيرة برأسها وهي تبتسم باتساع فانفجرت جلنار ضاحكة بقوة بينما عدنان فكان يتابعهم بابتسامة دافئة وتلقائيًا اتسعت الابتسامة فوق شفتيه بعد تأكيد الصغيرة على تخمين والدتها .

تقدم منهم حتى وقف أمامهم مباشرة وانحنى على ابنته وهي فوق ذراعين أمها ولثم شعرها بحنان هامسًا في عبث وضيق :
_ حبيبة بابي اللي بتيجي دايمًا في أنسب وقت .. استمري هااا عايزك تستمري في هدم لحظات بابي
حجبت جلنار ابتسامتها بصعوبة بينما هو فابتعد وسار لخارج الغرفة هامسًا بغيظ :
_ أنا مش فاهم بتظبط معاها كل مرة كدا إزاي !

انحنت جلنار على وجنة صغيرتها ولثمتها بقوة وهي تضحك بخفة .. متشفية باشعال نيران الغيظ في صدره ! .

***
عدة طرقات خفيفة على الباب قبل أن ينفتح وتدخل " ليلى " حاملة بين يديها فنجان القهوة الخاص به .. سارت نحوه بخطواتها الرقيقة حتى وقفت أمام مكتبه وانحنت تسند الفنجان بهدوء هامسة :
_ اتفضل يا آدم بيه القهوة اللي حضرتك طلبتها
آدم دون أن يحيد بنظره عن شاشة الحاسوب أمامه :
_ متشكر ياليلى
استدارت وسارت مرة أخرى باتجاه الباب وقبل أن تنصرف سمعت صوته الجاد يهتف في خشونة :
_ بلغي مهرة يا ليلى إني عايزاها ضروري
توقفت يدها في الطريق قبل أن تمسك بمقبض الباب ثم إعادتها تدريجيًا والتفتت له بجسدها تهمهم في رسمية :
_ مهرة مش موجودة ، استأذنت ومشت
هيمن عليه السكون التام للحظات يفكر باهتمام في السبب الذي جعلها تغادر فجأة هكذا .ليطرح سؤاله عليها في جدية :
_ مشت ليه ؟!
رفعت كتفيها لأعلى تدل على عدم تأكدها من الإجابة التي ستعطيها لها وغمغمت :
_ تقريبًا جدتها تعبت وفي المستشفى عشان كدا اضطرت تمشي
اتسعت عيني آدم بدهشة واكتفى بهز رأسه بالإيجاب مشيرًا لها بعيناه أن تغادر .. وفور انصرافها رفع يديه يمسح على وجهها متنهدًا بقوة وعقله مشغول بها ، ماذا حدث لجدتها ؟! .. وكيف وضعها هي الآن ياترى ؟! ، لا يتمكن من كبح عقله ومنعه من التفكير وطرح الأسئلة التي لا إجابة لها سوى عندها هي .

بقى يدور بمقعده بحركة دائرية حول نفسه ويشبك اصابع كفيه ببعضهم .. يهز الإبهام بقوة كدليل على فرط القلق .. وبعد دقائق طويلة من تلك الحالة الغريبة المتمكنة منه توقف بالمقعد في وضعه الطبيعي أمام المكتب ورفع كفيه يطرق بأنامله فوق سطح المكتب في قوة .. مترددًا في الاتصال بها والاطمئنان عليها حتى تهدأ نفسه المضطربة ويتوقف ذلك العقل عن التفكير .
أثر بالأخير السير على خطا ذلك الصوت الذي يلح عليه بأن يتصل .. حيث أمسك بهاتفه وبحث عن اسمها بقائمة الأسماء حتى عثر عليه وضغط على اتصال ليرفع الهاتف لأذنه يستمع للرنين ينتظر الرد منها .
وبعد عدة رنات صاحبها اليأس منه بعدم الرد .. أجابت لكن كان صوتها مبحوحًا وأثر البكاء يظهر في نبرتها بوضوح :
_ الو مين ؟
آدم بصوت لطيف وقلق بعدما سمع نبرتها :
_ أنا آدم يامهرة .. جدتك عاملة إيه ؟
أتاه صوتها المصحوب ببكاء قوي ونبرة مرتجفة من فرط الانهيار :
_ مش عارفة .. الدكتور لسا مخرجش من عندها أنا خايفة أوي عليها .. مش هسامح نفسي لو جرتلها حاجة بسببي

لم يفهم مقصد كلماتها الأخيرة لكنه وجد لسانه يتحدث بشكل لا إرادي بدلًا عنه :
_ اهدي إن شاء الله هتقوم بالسلامة .. إنتوا في مستشفى إيه ؟
إجابته وهي تشهق بقوة :
_ في مستشفى ( ........ )
استقام واقفًا يسحب مفاتيح سيارته ويلتقط سترته بيد واحدة ثم يهتف بطريقه لمغادرة الغرفة :
_ أنا نص ساعة بالكتير واكون عندك يامهرة

لم ينتظر ليستمع ردها بل انزل الهاتف واندفع لخارج غرفته ومنها للدرج ينزل درجاته مسرعًا حتى غادر مقر الشركة بأكملها واستقل بسيارته ثم انطلق بها يشق الطرقات متجهًا لتلك المستشفى التي أخبرته بها ...

***
هرولت راكضة بلهفة بعدما سمعت صوت ابنتها تصيح عليها بأن الهاتف يرن والمتصل أخيها .. وصلت إليها وجذبت الهاتف من يدها تجيب بسعادة ولهفة امومية :
_ هشام .. عامل إيه ياحبيبي طمني عليك ؟
هشام مبتسمًا وبنبرة رخيمة ودافئة :
_ أنا بخير الحمدلله ياماما .. إنتوا عاملين إيه ؟
أجابت عليه ببهجة صوتها :
_ كلنا زي الفل مش ناقصنا غيرك ياغالي .. مش ناوي تنزل إجازة بقى على الأقل يابني
اتسعت ابتسامته وقال في لطف ومداعبة جميلة :
_ ماهو أنا متصل عشان كدا ياست الكل
صاحت في دهشة :
_ بجد ياهشام نازل مصر !
نكزتها ابنتها في ذراعها برقة تهتف بإلحاح وحماس لمحادثة أخيها :
_ بيقولك إيه !!! .. ادهوني ياماما أكلمه وحشني أوي
لوحت لها بيدها وابعدت كفها بعدم اهتمام واستمعت لابنها الذي قال :
_ النهارده بليل إن شاء الله جاي
لم تتمالك نفسها من الصدمة فانهمرت دموعها فوق وجنتيها بغزارة وكتمت شهقتها بكف يدها حتى لا يخرج صوتها إليه .. من فرط سعادتها لم تتحكم في زمام عباراتها .. سوف يعود أخيرًا لهم بعد غياب دام لخمس سنوات .
انقبض قلب ابنتها فور رؤيتها لدموعها فجذبت الهاتف من يد أمها ووضعته فوق أذنها تهتف في تلهف وعدم استيعاب :
_ هشام إنت بجد جاي ولا بتهزر !!!
_ أيوة النهارده بليل بإذن الله هكون عندكم
انطلقت منها صرخة اخترقت اذناه بقوة وهي تثب جالسة من مقعدها وقد أدمعت عيناها من سعادتها فلو تركت زمام دموعها لانفجرت مثل أمها .. بينما هو فهتف شبه ضاحكًا بريبة :
_ بت يا الأء ردي عليا أنا قلقت الأول أمك ودلوقتي إنتي !
هدرت في نبرة مغلفة بالبكاء :
_ من الفرحة مش مصدقين .. أخيرًا هترجع ياهشام
_ ولا أنا مصدق والله ، أنا من امبارح مش عارف أنام من كتر التفكير .. وحشتوني أوي
ألاء بمشاكسة :
_ كذاب لو وحشناك كنت نزلت زيارة وشوفتنا حتى ده إنت آخر مرة نزلت فيها زيارة كانت من تلات سنين ويدوب اخدت اسبوع وسافرت تاني !
هشام ضاحكًا وبنبرة رجولية جميلة :
_ إن شاء الله المرة دي مفيش غياب تاني
ألاء بذهول وعدم استيعاب :
_ واحدة واحدة علينا ياعم أنا كدا هقعد جمب الوالدة واعيط زيها
_ هي بتعيط جامد بجد ؟!!!
ألاء ضاحكة في سعادة غامرة :
_ دي خلصت علبة مناديل في الدقيقتين دول بس
_ طيب ادهاني اكلمها !
ألاء برفض وحماس :
_ لا روح إنت جهز شنطتك بس وجهز حاجتك يلا و أنا هي هنسهقبلك بليل احلى استقبال

قهقه بخفة واستمر حديثه معها لدقائق أخرى حتى ودعها واغلق بعدما طرأ له عمل طاريء بالمستشفى واضطر لإنهاء حديثه مع عائلته .

***
كانت أسمهان تقف أمام خزانتها تبحث بين ملابسها عن ذلك الدفتر الصغير الخاص بها .. وأثناء بحثها وقعت يدها على صور قديمة ، لا تعرف كيف تلك الصورة لا تزال معها ! .. تذكر أنها ألقت بها في القمامة منذ زمن طويل ! .

التقطتها بين يديها تتطلع إليها بصمت وقد احتدمت نظراتها بشدة .. لتشوبها غمامة من الغل والبغض .. مجرد تذكرها لذلك اليوم يثير جنونها واشمئزازها .. ليتها أبت ولم تنصاع خلف أصوات قلبها السخيفة .. لكن ماذا يفيد الندم بعد فوات الآوان .. بل في الواقع كلاهما لا يحق لهم الندم أساسًا .
سمعت صوت طرق الباب فأخفت الصورة بين كفيها وصدح صوتها الحازم :
_ ادخل
دخلت إحدى الخادمات تحمل فوق يديها الطعام الخاص بها هاتفية :
_ اتفضلي يا هانم
أسمهان باستغراب وحدة :
_ جايبة الأكل هنا ليه .. آدم زمانه على وصول وهناكل مع بعض !
ابتلعت الخادمة ريقها بتوتر من العاصفة التي ستهب الآن إذا أخبرتها بما حدث لكن بالأخير ردت مغلوبة :
_ آدم بيه مش جاي على الغدا النهارده
أسمهان بحيرة :
_ ليه مش جاي وإزاي عرفتي
من شدة توترتها ظهر التعرق فوق جبهتها .. حيث ردت باضطراب وخوف :
_ ليلى اتصلت بيا وقولتالي ابلغ حضرتك إن آدم بيه راح المستشفى عند البنت اللي اسمها مهرة لأن جدتها تعبانة
اشتعلت عينان أسمهان بالنيران لتسأل في تأكيد :
_ مهرة دي البنت اللي لسا شغالة جديد في الشركة مش كدا ؟!

أماءت لها الخادمة برأسها في إيجاب .. وحين رفعت نظرها تتطلع لأسمهان رأتها عبارة عن جمرة ملتهبة واخذت تتحرك يمينًا ويسارًا صائحة في عصبية :
_ بيعمل إيه مع البنت البيئة دي .. ماشي يا آدم
اقتربت الخادمة ووضعت الطعام فوق الطاولة بخوف ثم همست في خفوت مضطرب :
_ عن أذنك
وفورًا استدارت وهرولت مسرعة تغادر قبل أن تفقد أعصابها أكثر من ذلك فتكون هي كبش الفداء وتخسر عملها دون سبب !! ....

***
يقف على مسافة ليست ببعيدة منها يتأملها بأعين محبة .. ترتدي ثوبها الصباحي الأحمر ذو الأكمام الطويلة .. شعرها يتطاير حولها بفعل نسمات الهواء الرقيقة وبيدها تمسك دلو سقى الزرع تقوم بسكب الماء من الفتحات الصغيرة في الدلو تسقي بها ورودها الحمراء مثلها .. وفوق شفتيها ابتسامة ناعمة تسرق العقل .

" هي زهرته الجميلة التي تنثر عبقها بكل مكان تخطوه قدميها الناعمتين .. فتسلبه عقله بشذا عطرها المميز "

تقدم منها بخطوات هادئة فيراها وهي تنحنى بوجهها على الزهور تستنشق رائحتهم وفور شعورها به بجوارها رفعت رأسها وقالت في عفوية بإشراقة وجه :
_ شكلهم جميل أوي مش كدا
لم يحيد بنظره عنها وهو يتأملها مبتسمًا ويجيب هامسًا بعينان ثابتة عليها غير مباليًا بتلك الزهور بجانب زهرته الأجمل على الأطلاق :
_ امممم جميلة أوي
انتبهت لنظراته لها فارتبكت قليلًا واسرعت تشيح بنظرها عنه تهتف في جمود بعدما رأته مردتيًا ملابسه ومستعدًا للذهاب :
_ إنت رايح الشغل ؟
همهم بصمت دون أن يجيب ثم انحنى عليها يقبل وجنتها بلطف ولم يمهلها اللحظة حتى ترمقه بشراسة كالعادة على فعلته حيث تابع فور قبلته :
_ النهارده هاخد رمانتي ونتعشى برا ونقضى وقت لطيف .. جهزي نفسك بليل
غضنت حاجبيها باستغراب وهتفت في جدية :
_ ليه .. إيه المناسبة !!!
عدنان بخفوت جميل وابتسامة :
_ من غير مناسبة .. مش لازم يكون في مناسبة عشان اخدك ونطلع نقضي وقت لطيف مع بعض
ابتسمت باستنكار عاقدة ذراعيها أمام صدرها تلقي عليه بسهام كلماتها القاسية :
_ امممم أصل مش متعودة على الاهتمام منك أو إنك تفكر فيا أساسًا .. عشان كدا مستغربة
تلاشت ابتسامته ونجحت بالفعل في مبتغاها لكنها وجدته يمد أنامله لخصلاتها يبعدها عن عنيها هامسًا في نظرة ذات معنى ونبرة جادة تحمل وعيدًا عاطفيًا :
_ وأنا سبق ووعدتك إنك هتشوفي شخص تاني ياجلنار وقولتلك إنك من هنا ورايح هتاخدي وبس مني .. يعني اتعودي على الاهتمام والحب ده
جلنار باسمة بسخرية وصوت يضمر خلفه المرارة :
_ حب .. وهتديني الحب إزاي وإنت مش بتحبني ياعدنان !!
رأته ينحنى مجددًا عليها يلثم وجنتها بقوة ثم يهمس بالقرب من أذنها بنبرته الرجولية العاطفية :
_ ومين قالك إني مبحبكيش !
صابها السكون الممتزج بدهشتها من رده وكالمرة السابقة لم يترك لها الفرصة لتجيب حيث ابتعد وقال غامزًا :
_ جهزي نفسك بليل زي ما قولتلك .. أنا همشي عشان اتأخرت

وباللحظة التالية كان يثير مبتعدًا في اتجاه سيارته يتركها متصنمة مكانها بعدم فهم أو استيعاب لما تفوه به للتو .

***
توقف بسيارته أمام مبنى المستشفى ثم ترجل منها وقاد خطواته السريعة للداخل .. كانت إحدى المستشفيات العامة مكتظة وممتلئة بالمرضى والأطفال وجميع الفئات .. وقف للحظة يتجول بنظره في الأرجاء .. يبدو أنا سيبحث عنها بنفسه ! .
اتجه نحو الدرج يصعد للطابق الثاني ثم وقف بمقدمته وعيناه تبحث عنها لكن لا وجود لها فأكمل صعوده للطابق الثالث والأخير ليندفع يسير به باحثًا عنها .. وأخيرًا عيناه التقطتها تجلس فوق أحد المقاعد وتبكي بعنف .. ثم ترفع أناملها تجفف دموعها بظهر يدها كالأطفال دون أن تتوقف عن ذرف الدموع .
تقدم منها في خطوات شبه سريعة حتى وصل إليها فانحنى عليها بجسده يضع كفه برفق فوق كتفها هامسًا :
_ مهرة !
نبرة صوته مميزة تستطيع تميزه به وسط جيش من الرجال .. أو ربما قلبها هو من يميزه ، رفعت رأسها بسرعة تتطلعه بعيناها الغارقة ولم تشعر بنفسها سوى وهي تهب واقفة تتعلق برقبته وتبكي بنشيج مرتفع .
انتابها شعورًا بالآمان فور رؤيتها له .. ودفعها قلبها لمعانقته والتعلق به كطوق النجاة الذي سيأخذ بيدها النور .. مشاعر غريبة تتمكن منها وبقدر ما هي تخيفها إلا أنها جميلة ! .
تجمد بأرضه وقد اتسعت عيناه بدهشة وهي بين ذراعيه تتعلق برقبته وتدفن وجهها في كتفه تبكي وتشهق بقوة .. كانت يديه الاثنين متعلقة بالهواء وأنامله تتحرك بتوتر .. مترددًا هل يحاوطها بهم أم يتركها حتى تفرغ حملها فوق اكتافه وتهدأ ثم تبتعد .. كان سيسير خلف الاختيار الثاني ولكن قلبه لان ولم يتمكن من تحمل بكائها وكأنها تستنجد به فلف ذراع حول خصرها والآخر ملس به بلطف فوق ظهرها يتمتم في دفء :
_ أهدى يامهرة إن شاء الله تبقى كويسة وتقوم بالسلامة
اشتدت حدة بكائها مهمهمة بصوت فهمه بصعوبة بسبب صوت بكائها المختلط به :
_ الدكتور قال إن في انخفاض حاد في نسبة السكر ودخلت في غيبوبة سكر
تملكه القلق هو الآخر حيث أبعدها عنه بلطف وهتف :
_ هي عندها السكر ؟!
هزت رأسها بالإيجاب وتابعت في ندم وألم :
_ كله بسببي يارتني قولتلها أنا يمكن مكنش ده حصلها .. كانت هتسمع منى احسن ما تسمع من الغريب
حاوط كتفها بذراعه يحثها على الجلوس هاتفًا بعدم فهم :
_ طيب اهدي واقعدي الأول بس وفهميني هو ده حصل إزاي ؟!
جففت دموعها وردت بصوت مبحوح مجفلة نظرها الأرض بخجل ومرارة :
_ واحدة من الجيران جات عندنا وقالتها على اللي حصل معايا لما اتخطفت وكمان على الكلام والأشاعات اللي طلعتها عليا اللي متتسمي بدرية .. الهي ربنا ينتقم منها مطرح ما هي مرزوعة .. وطبعًا هي أول ما سمعت الكلام ده تعبت ومقدرتش تستحمل

آدم عاقدًا حاجبيه باستغراب :
_ اشاعات !!!
هتفت مسرعة في أسى وخنق دون أن ترفع نظرها عن الأرض :
_ قالت عليا كلام مش كويس يا آدم يعني عشان تخلي سمعتي في الطين في المنطقة
لم يرد أن يضغط عليها أكثر خصوصًا في هذا الوقت رغم أن ما سمعه للتو ألهب نيران الغضب بداخله إلا أنه لم يظهر لها شيء وهتف في حنو وصوت هاديء يبعث الطمأنينة :
_ بصي بعدين تبقى تحكيلي الموضوع ده بالظبط .. لكن دلوقتي مش وقته .. إنتي اهدي الأهم ومتخافيش هتفوق وهتبقى زي الفل أنا واثق
_ يــارب
_ هو فين أوضة الدكتور تعرفيها
_ ليه ؟
_ هتكلم معاه شوية واعرف منه تفاصيل اكتر عن حالة جدتك .. فينها الأوضة ؟
أشارت بسبابتها على أحدي الغرف بالجهة المقابلة متمتمة :
_ شوفته دخل الأوضة دي
استقام واقفًا وقال بجدية :
_ طيب خليكي هنا متتحركيش من مكانك وأنا مش هتأخر عليكي

هزت رأسها بالإيجاب وتابعته وهو يسير متجهًا لتلك الغرفة التي أشارت إليها .. وبمجرد دخوله واختفائه عن انظارها عادت دموعها تنهمر من جديد ولكن بصمت ! ...

***
في مساء ذلك اليوم ......
تجلس بجواره في مكتبه الخاص وأمامهم عدة أوراق خاصة بالعمل .. يعملون منذ ساعتين تقريبًا كلاهما يملي على الآخر بعض الأفكار لتحسين وضع معين يخص العمل .. فيتبادلون الأحاديث والافكار بتفهم وجدية .

توقفا عن الحديث والتقطت هي ملفًا تتفقد أوراقه وتقرأه بعناية غير منتبهة لنظراته التي تعلقت عليها يتأملها بسكون وغرام وبعد ثلاث دقائق من الصمت التام التفتت برأسها له على حين غرة وكانت ستهم بالتحدث لولا ملاحظتها لعيناه الثابتة عليها فاضطربت وهمست بريبة :
_ شو صار لك ليش عم تتطلع فيني هيك !!
رأت شبح ابتسامته العبثية تظهر فوق شفتيه ليجيبها غامزًا بمكر :
_ بتأمل في الجمال اللي قاعد جمبي ده .. اصل حاسس إنه محلو النهارده مش كدا ولا أنا متهيألي
رمشت بعيناها عدة مرات في صدمة قبل أن تشيح بوجهها للجهة الأخرى مسرعة وتهتف متذمرة بخجل شديد :
_ حاتم حاج تخجلني كل مرة هيك !!
ضحك وقال مشاكسًا إياها مستمتعًا بخجلها :
_ وتخجلي ليه .. هو أنا قولت حاجة غلط ! .. أنا بس قولت اللي شايفه
رفعت يدها لا إراديًا ترجع خصلات شعرها المنسدلة على وجهها للخلف مبتسمة باستحياء ملحوظ وتجيب في خفوت :
_ thank you !
أجابها بمداعبة وعينان تطلق نظرات غريبة ومختلفة :
_ your welcome babe ( على الرحب والسعة ياعزيزتي )
رفعت حاجبها بابتسامة مدهوشة من كلمته الأخيرة لكنها هزت رأسها بعدم حيلة وعادت تدفن نظرها بين الأوراق من جديد حتى سمعته يتابع بنبرة جادة ومتضايقة :
_ أنا آسف
نظرت له مجددًا وهدرت باستغراب :
_ لشو ؟!!!
حاتم معتذرًا بلطف وحنو :
_ على اللي عملته معاكي في اليوم اللي اتأخرتي فيه برا .. اتعصبت عليكي جامد وزودتها بس مكنتش عارف أنا بعمل إيه والله من كتر عصبيتي وخصوصًا لما قولتلي إنك مع راجل ، اتجننت .. متزعليش مني !
ابتسمت برقة ثم غمغمت في لؤم :
_ أي تمام ماني زعلانة خلص بس إذا تكررت مرة تاني ما راح مرأها بسهولة هيك ليكون بعلمك يعني مشان ما تفكر تتكررها
حاتم ضاحكًا بمرح :
_ ياشرس إنت
نادين بحزم مصطنع مانعة ابتسامتها من الظهور فوق ثغرها :
_ خلينا نكمل الشغل مو وقت الكلام هلأ
قهقه بخفة عليها بعدما لاحظ تغييرها لمجرى الحديث في محاولة بائسة لإخفاء خجلها بتصنعها للحزم !! ...

***
يجلس بحديقة المنزل فوق المقعد الهزاز يرتدي حلته الرجولية وكل لحظة والأخرى يرفع يده يتفقد ساعته .. فقد أوشك على الساعة وهو ينتظرها هكذا بالخارج ولم تنتهى بعد ! .
ترك صغيرته مع جدتها وكان سيأتي ويأخذها في المساء أثناء عودتهم للمنزل لكن أسمهان رفضت وأصرت بأن حفيدتها ستقضي الليلة معها .. والغريب أن حتى الصغيرة لم ترفض بل رحبت بالفكرة وسعدت جدًا .

هب واقفًا وكان سيندفع للداخل حتى يذهب لها ويتفقدها بعد كل هذا التأخير ، لكنه تسمر بأرضه في ذهول عندما وجدها تفتح الباب وتغادر المنزل تسير باتجاهه في خطوات متريثة وناعمة مثلها .

كانت ترتدي ثوب أسود اللون طويل وضيق ، يندرج بفتحة مثلثية من القدم حتى الركبة ومن الأعلى حمالات عريضة فوق كتفيها تنزل بشكل دائري عند الصدر .. أما من الخلف فكانت فتحة الثوب واسعة تصل لمنتصف ظهرها .. وتترك شعرها الأسود الحريري ينسدل على ظهرها من الخلف تاركة بعض الخصلات المائلة أمام عيناها .

كانت تسير نحوه برقة معهودة منها وبقدمها ترتدي حذاء مرتفع من نفس لون الثوب تطرق به فوق الأرض في سيرها بشكل مثير .

هي كلها كانت كتلة من الجمال الصارخ ، لم يكن يتخيل أن الاسود يليق بها هكذا .. بل لا يتمكن من رفع نظرها عنها حتى فهيئتها مثيرة ورائعة سلبته انفاسه في لحظة .

وصلت إليه أخيرًا لتقف أمامه بشموخ دون أن تبتسم حتى بينما هو فانخفضت عيناه على طول جسدها يتفحصها بإمعان في ذلك الثوب المثير ، لترتفع نظراته تدريجيًا من أخمص قدميها حتى وجهها الخالي تمامًا من أي مساحيق جمال ، فقط تزين شفتيها بأحمر شفاه خفيف .
ابتلع حلقه الجاف وقال باسمًا بإعجاب وهيام :
_ لولا إن المطعم مش هيكون فيه غيرنا مكنتش خليتك تطلعي باللي إنتي لابساه ده أبدًا
جلنار بغضب بسيط :
_ ماله فستاني !!!
عدنان بعينان تتفحصها بجراءة مبتسمًا :
_ إذا كان أنا وعملتي فيا كدا أمال لو طلعتي قدام الناس هيحصل إيه !
تأثرت قليلًا بكلماته لكنها لم تظهر حيث ردت بصرامة :
_ إنت قول الحمدلله إني وافقت أخرج معاك أصلًا
عدنان ببرود يحسد عليه بعدما فهم أنها تتعمد إثارة غضبه :
_ الحمدلله .. مش يلا بقى ولا إيه يارمانة اتأخرنا

تأففت بخنق من كلمته المشهورة ( رمانة ) وسارت باتجاه السيارة فكانت خطواته هو اسرع منها حيث وصل قبلها وفتح لها باب المقعد المجاور له يبسط كفه مشيرًا للداخل .. فوقفت وتطلعت إليه رافعة حاجبيها بابتسامة قبل أن تمسك بثوبها ترفعه قليلًا وترفع ساقها الناعمة والجميلة حتى تدخل وتجلس بالمقعد ، وتتابعه بعد أنا اغلق الباب والتف للجهة المقابلة يصعد بجوارها وينطلق بالسيارة .

***
كان العشاء بأحد افخم المطاعم وحين دخلت معه كان المكان فارغ تمامًا لا يوجد به أي طاولات ولا وجود لأي زبائن وفقط بالمنتصف وضعت طاولة متوسطة الحجم وحولها مقعدين مقابلين لبعضهم والأضواء كانت بنية خافتة وصوت موسيقى رومانسية هادئة تملأ المكان .

التفتت برأسها إليه وقالت بدهشة :
_ إنت حجزت المطعم ده كله علشانا احنا بس !!!
انحنى على أذنها يهمس في عاطفة :
_ تؤتؤ عشانك !
مالت برأسها للجانب وحدجت في لمعة عيناه الجديدة بعمق وفورًا اشاحت بوجهها بعد أن أحست بأن الابتسامة ستخدعها وتنطلق فوق ثغرها .. ثم سمعت همسه الخافت مع ابتسامته :
_ تعالي نقعد يلا
سارت معه نحو الطاولة الوحيدة المتبقية بالمطعم وقبل أن تسحب مقعدها كان يسحبه هو لها بأسلوب راقي .. هنا فشلت في إخفاء ابتسامتها التلقائية التي شقت طريقها لثغرها وجلست فوق المقعد ثم ابتعد هو والتف ليجلس فوق مقعده يتابعها وهي تتجول بنظرها في أرجاء المكان كله معادا وجهه .
فجأة صدح صوت رنين هاتفه الموضوع فوق سطح الطاولة فتطلع لشاشته يقرأ اسم المتصل ثم جذبه واستقام واقفًا يسير مبتعدًا عنها ليجيب بغلظة :
_ عملت إيه ؟
رد الطرف الآخر بخبث وشيطانية :
_ كله تم زي ما أمرت ياباشا مش فاضل غير أوامرك بس عشان ننفذ فورًا
أظلمت عيني عدنان بشكل مخيف وغمغم في صوتًا مريبًا ومخيفًا بعض الشيء :
_ تمام انتظر مني الإشارة مش عايز أي غلطة ولا عينكم تغفل للحظة
_ اطمن ياباشا كله تحت السيطرة

انهى الاتصال فهو ليس بوقت يسمح له بالانشغال بهذه الأشياء الآن .. وضع هاتفه في جيب بنطاله وعاد لها ليجلس فوق مقعده من جديد .
كان يعم الصمت القاتل بينهم لا يُسمع سوى صوت الموسيقى من حولهم .. هي لا تنظر له وهو يتأملها بعمق ، حتى وصل نادلين أحدهم يحمل صينية واسعة فوقها صحون الطعام والآخر كان يقف بجوراه يلتقطت الصحون ويضعها أمامهم فوق الطاولة بانتظام وبعد انتهائه ارسل لهم ابتسامة عذبة في رسمية قبل أن يستدير وينصرف .

رأته يستقيم فجأة ويقترب منها حتى يقف على مسافة خطوتين منها باسطًا ذراعه أمامها يدعوها للرقص معه .. نقلت نظرها بين كفه وبين وجهه بتردد وحين رأت النادلين يقفون بالقرب من المطبخ حتى يكونوا في الخدمة إذا احتاجوا لشيء وكانوا يتطلعون لهم .. فلم تتمكن من رفض دعوته حيث رفعت كفها وشبكته بكفه فسحبها معه ليقفون في بقعة واسعة وفارغة وينزل هو كفيه يضعهم فوق خصرها بحنو وتملك فترفع يديها تسندهم فوق كتفيه في تلقائية دون أن تتطلع بوجهه .
كانت الأغنية رومانسية هادئة تجعلهم يتحركون معها بتناغم ورقة ، وبعد دقيقة من الصمت سمع أخيرًا همستها القوية بنظراتها الثاقبة كنظراته تمامًا كأنها تعلمتها منه :
_ ليه ؟!!
_ هو إيه اللي ليه ؟!
جلنار بتوضيح أشد :
_ ليه بتعمل ده كله ياعدنان !!
تنهد بقوة وغمغم في صوت رجولي جاد دون أن تزين شفتيه أي ابتسامة :
_ بحاول اعوضك بكل شكل ممكن .. صحيح أدركت خطأي وندمت متأخر بس ده ميمنعش إني احاول اصلح الغلط ده
لمعت عيناها بالعبارات ليس لجمال كلماته ولكن لذلك الوضع الذي يعاني كلاهما منه .. لا هو يتخلى ولا هي تتمكن من العفو بسهولة .

قالت في خفوت وضيق :
_ اللي قولته الصبح مش هيغير حاجة ومش هيخليني انسى كل حاجة واسامحك
ابتسم بمرارة وتمتم في تفهم :
_ عارف ومش منتظر إنك تسامحيني بالسهولة دي أساسًا .. أنا بس حبيت اوضحلك إني عمري ما كرهتك ولا يمكن هكرهك

جلنار باستياء وألم دفين :
_ وليه متقولش إنك حاسس بالندم عشان كدا رافض تطلقني كنوع من تكفير الذنب وعشان تريح ضميرك

احتدمت نظراته في حدة ليهز رأسه بالنفي في عنف ويقول بصدق لمسته في نظرته وصوته :
_ أبدًا .. أنا لو فعلًا زي ما بتقولي كنت هطلقك واسيبك وهبقى برضوا ريحت ضميري .. لكن أنا عايزك بجد ومش مستعد اخسرك إنتي وبنتي .. إنتي عرفاني كويس وعارفة إني مش بتمسك بشيء إلا لما يكون غالي عندي بجد وإنتي وهنا اغلي حاجة في حياتي دلوقتي

فشلت في منع دمعتها المتمردة التي سقطت فوق وجنتها الناعمة والبيضاء لتجيبه في قوة رغم عيناها الدامعة :
_ الكره حاجة والحب حاجة ياعدنان .. مش معنى إنك مش بتكرهني يبقى بتحبني .. يمكن صحيح إنت عمرك ماكرهتني بس كمان مبتحبنيش

عيناها ونظراتها صوبوا سهمهم لقلبه الذي تألم بشدة فرفع أنامله يمسح دمعتها برقة ثم ينحنى عليها مقبلًا عيناها وينزل بشفتيه أسفل عيناها مكان الدمعة يقبله كذلك هامسًا في نبرة تحمل بحة رجولية ساحرة كلها دفء وحب :
_ وليه لا مش يمكن يكون أيوة .. كل شيء وارد وممكن ياجلنار

ظلت مغمضة عيناها تحت تأثير قبلته الرقيقة حتى أحست به يقترب بوجهها ناحية رقبتها تاركًا خصرها ومحاوطًا إياها من ظهرها بذراعيه يضمها إليه أكثر معانقًا إياها بقوة دافنًا وجهه في رقبتها وخصلات شعرها يستنشق عبق زهرته بعمق فلا تتخلل رائحتها في أنفه فقط بل حتى في قلبه .
انهارت حصونها أمام قلبها الضعيف من قربه فلفت ذراعيها حول رقبته متعلقة به تدفن هي أيضًا وجهها بين ثنايا كتفه ورقبته !! ...

***
ارتفع صوت رنين الباب وكانت أمها تقوم بأداء فرضها فاضطرت هي للنهوض حتى تفتح للطارق المجهول .. سارت زينة باتجاه الباب هاتفة :
_ أيوة ثواني
وصلت وامسكت بالمقبض تديره وتجذب الباب إليها بعفوية غير متوقعة لما ستجده أمامها .. وبمجرد ما أن وقعت عيناها عليها تصلبت كان صاعقة أصابتها من فرط الصدمة وتفوه لسانها بشكل لا إداري في عدم استيعاب :
_ هشاام







تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -